أخبار التحكيم

القراءة التحليلية لتعليمات إشهار مراكز التحكيم في سورية

القاضي علي المغربي

رئيس التفتيش القضائي ورئيس لجنة إشهار مراكز التحكيم

القاضي ختام الحداد

عضو لجنة إشهار مراكز التحكيم

 

شهدت سورية خلال السنوات الأخيرة تنامياً في تطوير بيئة التحكيم المؤسسي ولاسيّما في ظل المرحلة الحالية وصدور الإعلان الدستوري المؤقت لعام 2025، وإصدار مرسوم رقم 114لعام 2025 لتعديل قانون الاستثمار رقم 18 لعام2023، وقد شكّل صدور تعليمات إشهار مراكز التحكيم بموجب قرار وزير العدل رقم /1248/ل/ تاريخ 5/5/2026 خطوة تنظيميّة مفصليّة في تطوير منظومة التحكيم في سورية[1]، إذ جاءت هذه التعليمات استناداً إلى أحكام المادة63 من قانون التحكيم رقم /4/ لعام 2008[2]، حيث تُظهر القراءة التحليليّة لهذه التعليمات توجه المشرّع نحو بناء إطار تنظيميّ متكامل، وذلك من خلال تضمين هذه التعليمات إحدى عشرة مادة عالجت مختلف الجوانب القانونيّة والإجرائيّة المرتبطة بإشهار هذه المراكز وإدارتها والرقابة عليها.

ويمكن بيان أهم ملامح هذه التعليمات على النحو الآتي:

أولاً-التعاريف القانونية وضبط المصطلحات:

جاءت المادة الأولى لتضع منظومة دقيقة من التعاريف القانونية، وتكمن أهمية هذه التعاريف في أنها تؤسس لوضوح التطبيق وتحدّ من احتمالات التفسير المتباين أو التأويل المختلف للنصوص، ويعكس هذا التنظيم بعداً استشرافياً للتعليمات، من خلال بناء منظومة مفاهيمية دقيقة تضمن استقرار التطبيق القانوني ووحدة التفسير

ثانياً-تكريس معايير النزاهة والأهلية القانونية:

ركزت المادة الثانية من هذا القرار على الشروط الواجب توافرها في طالب الإشهار بما يعكس الطبيعة الخاصة والحساسة لعمل مراكز التحكيم، فقد اشترطت التعليمات حسن السيرة والسلوك، وعدم صدور حكم بجناية أو جنحة مخلة بالشرف أو الأمانة، وعدم الحرمان من الحقوق المدنية، أو الحجر، أو الإفلاس غير المعاد إليه اعتباره، إضافة إلى عدم العزل أو الشطب أو الطرد لأسباب تمس النزاهة المهنية، ولاسيّما بالنسبة للمحامين أو القضاة السابقين، وتؤكد هذه الشروط أنّ المشرّع ينظر إلى المرخص له ومدير المركز باعتبارهما مؤتمنين على إدارة العدالة البديلة، وعلى ضمان نزاهة وسرية العملية التحكيمية، وهو توجه ينسجم مع الفلسفة التي كرسها قانون التحكيم.

ثالثاً- تنظيم إجراءات الإشهار وتكريس مبدأ المشروعية:

اعتمدت المادة الثالثة من هذا القرار مساراً إجرائياً واضحاً لإشهار مراكز التحكيم، بما يجسّد مبدأ المشروعية ويضمن الشفافية، وتمر إجراءات الإشهار بعدة مراحل متتابعة تبدأ بتقديم طلب خطي مرفق بالوثائق المطلوبة، ومنها سند ملكية أو عقد إيجار لمدة لا تقل عن سنتين، والنظام الداخلي للمركز، وخطة العمل السنوية، ويعقب ذلك إجراء كشف ميداني على مقر المركز من قبل اللجنة المختّصة، ثم دراسة الطلب وإعداد مقترح معللة بالقبول أو الرفض تُرفع إلى وزير العدل، الذي يتوجب عليه إصدار قراره خلال مدة لا تتجاوز ستين يوماً من تاريخ تسجيل الطلب، مع نشر القرار في الجريدة الرسمية،  ويطعن بقرار الرفض أمام مجلس الدّولة باعتباره جهة القضاء الإداريّ المختّصة[3].

رابعاً- تحديد مهام مراكز التحكيم بعد الإشهار:

حددت المادة الرابعة من هذا القرار الوظائف الأساسيّة لمراكز التحكيم بعد إشهارها بما يجعلها مؤسسات قانونيّة وإداريّة فاعلة لا مجرد جهات شكلية لمنح الصفة التنظيميّة للتحكيم، ومن أبرز هذه المهام إنشاء قاعدة بيانات للدعاوى التحكيميّة، وإعداد قوائم المحكمين والخبراء، ومساعدة الأطراف في اختيار المحكمين، وتقديم الدعم الإداري والفني لهيئات التحكيم، وحفظ صور الأحكام التحكيميّة، إضافة إلى التنسيق مع المراكز المحلية والإقليمية والدولية، ونشر ثقافة التحكيم من خلال الدورات التدريبية والأنشطة العلمية بعد موافقة الوزير، ويكشف هذا التنظيم عن توجه واضح نحو جعل مراكز التحكيم مؤسسات معرفيّة ومهنية متخصصة تسهم في تطوير بيئة التحكيم ونشر ثقافته ضمن حدود احترام النظام العام والقواعد القانونية النافذة.

خامساً- المعايير الفنية والتنظيمية لمقر المركز:

جاءت المادة الخامسة من هذا القرار لتحدد الشروط الواجب توافرها في مقر المركز بما ينسجم مع المعايير المهنية المتبعة في مراكز التحكيم الدولية، فأوجبت أن يكون المبنى مرخصاً أصولاً، ومجهزاً بمساحة مناسبة، وأن يضم قاعة مخصصة لجلسات التحكيم، ومكتباً للمدير، ومكتباً إدارياً على الأقل، مع توفير التجهيزات التقنية اللازمة، ويُفهم من هذه الأحكام أنّ المشرّع لم يكتفِ بالوجود الشكلي للمركز، بل اشترط تهيئة بيئة مهنية متكاملة تضمن حسن سير الجلسات التحكيميّة بما في ذلك العزل الصوتي، وتنظيم أماكن الأطراف والمحامين، وتوفير وسائل التسجيل والتوثيق، الأمر الذي يعكس توجهاً واضحاً نحو الاحترافية المؤسسية.

سادساً- مسؤوليات مدير المركز والرقابة الإدارية:

كرّست المادة السادسة من هذا القرار مسؤولية مدير المركز بوصفه المسؤول الأول عن حسن إدارة المركز والتزامه بالقانون والتعليمات النافذة، وألزمت المدير بإعداد تقرير سنوي يُرفع إلى اللجنة المختصة، يتضمن بيانات الدعاوى والمحكمين والإيرادات وسائر النشاطات المتعلقة بالمركز.

كما أكدت المادة على مبدأ السرية باعتباره أحد أهم ضمانات التحكيم، وأوجبت المحافظة على سرية المعلومات والوثائق حتى بعد انتهاء العمل أو إلغاء الإشهار، وأجازت للجنة إحالة التقارير إلى إدارة التفتيش القضائي عند وجود مخالفات أو تجاوزات[4]، ويُعدّ اعتماد التقارير السنويّة وسيلة رقابيّة غير مباشرة تهدف إلى ضمان حسن التطبيق والشفافية.

سابعاً-حالات إلغاء الإشهار وضمان استمرارية العدالة:

وضعت المادة السابعة من هذا القرار إطاراً قانونياً متكاملاً لإلغاء إشهار مراكز التحكيم، وقد حددت حالات الإلغاء، ومنها فقدان أحد شروط الإشهار، أو التوقف عن العمل مدة سنة دون إبلاغ الوزارة، أو مخالفة أحكام القانون والتعليمات، أو ثبوت تزوير الوثائق المقدمة، أو بناءً على طلب المرخص له نفسه[5].

كما نظمت المادة آلية الإلغاء من خلال صدور قرار معلل عن وزير العدل بناءً على اقتراح اللجنة أو تقرير التفتيش القضائي مع استمرار اللجنة القضائية بإدارة القضايا القائمة إلى حين الفصل فيها، ومنع تسجيل دعاوى جديدة[6]، وتبرز أهمية هذا التنظيم في تكريسه لمبدأ الأمان القانونيّ، إذ إنّ المنازعات التحكيمية الجارية لا تتأثر بإلغاء الإشهار، بما يحمي حقوق الأطراف ويمنع تعطيل العدالة التحكيمية.

ثامناً- توفيق أوضاع المراكز القائمة:

أقرّت المادة الثامنة من هذا القرار مهلة انتقالية للمراكز المشهرة قبل صدور التعليمات لتوفيق أوضاعها بما ينسجم مع الأحكام الجديدة، ومنحتها مدة سنة ميلادية قابلة للتمديد لعام آخر بموافقة الوزير بناءً على اقتراح اللجنة، ويعكس هذا التوجه حرص المشرّع على تحقيق التوازن بين استمرارية عمل المراكز القائمة وعدم إحداث فراغ مؤسسي، وبين ضرورة الالتزام بالمعايير التنظيمية الجديدة

تاسعاً-تنظيم فروع مراكز التحكيم الأجنبية:

جسّدت المادة التاسعة من هذا القرار توجهاً تنظيماً منفتحاً على التحكيم الدولي، مع إخضاع هذا الانفتاح لضوابط قانونية تضمن الجدية والخبرة، فقد اشترطت بالنسبة لفروع المراكز الأجنبية أن تكون حاصلة على ترخيص نافذ في بلدها الأصلي، وأن تكون قد مارست التحكيم الدولي مدة لا تقل عن خمس سنوات متصلة، مع تقديم بيان بإنجازاتها وترجمة معتمدة لوثائقها إلى اللغة العربية.

ويُفهم من هذا التنظيم أنّ المشرّع يسعى إلى استقطاب المراكز الدوليّة بما يعزز مكانة سورية كمركز إقليميّ للتحكيم التجاريّ والاستثماريّ، مع الحفاظ على الضوابط الوطنية والسّيادة القانونيّة.

عاشراً-الرقابة القضائية عبر إدارة التفتيش القضائي:

أسندت المادة العاشرة من هذا القرار مهمة الرقابة على مراكز التحكيم إلى إدارة التفتيش القضائي التي تتولى إعداد تقارير دورية عن نشاطها ومتابعة مدى التزامها بالقانون والتعليمات، مع حقها في إجراء الزيارات التفتيشية الدورية[7].

حادي عشراً-مرونة التعليمات وقابلية التطوير:

أكّدت المادة الحادية عشرة من هذا القرار على الطبيعة المرنة للتعليمات، من خلال منح لجنة إشهار مراكز التحكيم صلاحية تفسير أحكامها واقتراح تعديلها بما يواكب التطورات القانونيّة والاقتصاديّة المتصلة بالتحكيم، وسريان التعليمات على جميع المراكز والفروع بما يتوافق مع أحكام القانون والاتفاقيات الدولية النافذة، ويعكس هذا التوجه إدراك المشرّع للطبيعة المتغيرة لبيئة التحكيم، وضرورة تطوير الإطار التنظيمي بصورةٍ مستمرةٍ بما ينسجم مع أفضل الممارسات الدولية الحديثة.

وختاماً، يتّضح أنّ تعليمات إشهار مراكز التحكيم الصادرة بموجب القرار رقم /1248/ل/ لعام 2026 تمثّل خطوة تشريعيّة وتنظيميّة مفصلية في مسار تطوير منظومة التحكيم في سورية، وعلى الرغم من أهمية ما تضمنته التعليمات من نقاط قوة تتعلق بتوحيد الإجراءات وتعزيز الشفافية والرقابة إلّا أنّ التطور العمليّ المستقبليّ يظلّ بحاجة إلى استكمال بعض الجوانب التنظيميّة، ولاسيّما ما يتعلق بالتحكيم الإلكتروني، ووسائل التبليغ الرقمية، والسجلات الإلكترونية الموحدة، بما ينسجم مع التحولات التقنية الحديثة في بيئة الأعمال الدولية، لذلك يُوصى بإجراء تعديل تشريعي على قانون التحكيم السوري رقم /4/ لعام 2008 بما يواكب التطورات التقنية الحديثة في مجال العدالة البديلة.

[1] – وتضطلع هذه المراكز بدور مهم في إدارة الخصومات التحكيمية تحت إشراف وزارة العدل السورية بوصفها الجهة المختصة بتنظيم عملها والإشراف عليها وفق أحكام المادة 57 من قانون التحكيم رقم 8 لعام 2008.

[2] -للاطلاع قرار وزير العدل السوري رقم /1248/ل/ تاريخ 4/5/2026 المتضمن تعليمات إشهار مراكز التحكيم المنشورة على الموقع الرسمي لوزارة العدل السورية.

[3]-انظر المادة60 من قانون التحكيم رقم 4 لعام2004م.

[4] – انظر المادة 59 من قانون التحكيم رقم4 لعام 2008م.

[5] -انظر المادة 62 من قانون التحكيم رقم4 لعام2008م.

[6] -انظر المادة 62 من قانون التحكيم رقم4 لعام 2008م.

[7] -انظر المادة61 من قانون التحكيم رقم4 لعام2008م.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى