مقالات وأبحاث

أثر بطلان حكم التحكيم على اتفاق التحكيم

| أحمد وليد منصور

مقدمة

يمر التحكيم بسلسلة طويلة من الإجراءات، تنتهي غالباً بصدور “الحكم التحكيمي”، وما إن يصدر هذا الحكم، حتى تبتدئ مرحلة جديدة، وهي مرحلة تنفيذ هذا الحكم.

وإن كان منشأ التحكيم هو إرادة الأفراد، فإن تنفيذه لا يشترط به توفر هذه الإرادة، فحكم التحكيم يصدر مبرماً وينفذ إما طوعاً إذا اتفق أطرافه على تنفيذه طواعيةً، وإما جبراً، إذا رفض الطرف الخاسر تنفيذه بشكلٍ رضائي.

ومن هذه الطبيعة المختلطة لتنفيذ الحكم التحكيمي، نجد أن الطرف الذي ربح دعوى التحكيم، يسعى إلى تنفيذ الحكم التحكيمي وذلك من خلال إلزام الفريق الخاسر بتنفيذه، عن طريق دعوى إكساء حكم المحكمين صيغة التنفيذ، في حين، أن الطرف الخاسر يسعى جاهداً إلى إبطال هذا الحكم، وجعله غير قابل للتنفيذ، ويكون ذلك من خلال دعوى بطلان حكم التحكيم.

وفي كلتا الحالتين (أي الإكساء والبطلان)، تبسط محكمة الاستئناف المختصة، سلطتها على الحكم التحكيمي، وتكون سلطتها محصورة على الجوانب الشكلية للحكم التحكيمي، دون الجوانب الموضوعية، إلا ما ارتبط منها بمخالفة واضحة للنظام العام.

ولكن، ماهو مصير اتفاق التحكيم فيما لو أبطل الحكم التحكيمي أو ردت دعوى الإكساء …؟؟؟

اختلفت الإجابة على هذا السؤال، بين اتجاهٍ اعتبر أن اتفاق التحكيم يبقى سارياً بين الأطراف بعد إبطاله أو رد دعوى اكسائه، وبين اتجاهٍ آخر يعتبر أن اتفاق التحكيم ينقضي بانقضاء الحكم التحكيمي إما ببطلانه أو رد دعوى إكسائه.

أولاً- موقف المشرع السوري من أثر بطلان أو رد إكساء الحكم التحكيمي على اتفاق التحكيم

بالعودة إلى قانون التحكيم السوري رقم /4/ لعام 2008، نجده خالياً تماماً من الإشارة إلى مصير اتفاق التحكيم في ظل بطلان أو رد إكساء الحكم التحكيمي الذي صدر بناءً على هذا الاتفاق.

إلا أنه، يمكننا تمييز حالتين واضحتين، تصدى لهم القضاء السوري، ورسخهم بالعديد من الاجتهادات، وهاتين الحالتين هما:

الحالة الأولى – صدور حكم تحكيمي قضى بتثبيت اتفاق طرفا التحكيم على إنهاء النزاع

يجوز لطرفي التحكيم أن يتفقا خلال سير إجراءات التحكيم على إنهاء النزاع فيما بينهما، فيقدما طلباً إلى هيئة التحكيم، يتضمن ما اتفقا عليه، وفي هذه الحالة، يتوجب على هيئة التحكيم أن تصدر قراراً يتضمن ما اتفق عليه الطرفان، ويكون لهذا القرار ما لأحكام المحكمين من قوة بالنسبة للتنفيذ، وهذا ما نصت عليه المادة /39/ من قانون التحكيم السوري رقم /4/ لعام 2008.

وعليه، فإن هيئة التحكيم لم تقم بممارسة اختصاصها في النظر بالنزاع، بل قامت فقط بتثبيت ما اتفق عليه طرفا التحكيم لإنهاء النزاع التحكيمي فيما بينهما، وهنا الحكم التحكيمي، لم ينظر بموضوع النزاع أو يبت فيه، ففي حال تجدد النزاع بين أطرافه، تكون ولاية النظر بهذا النزاع لهيئة التحكيم التي قضت بتثبيت الاتفاق.

وعلى هذا جاء اجتهاد غرفة المخاصمة ورد القضاة لدى محكمة النقض السورية، حيث نص الاجتهاد على:

((لما كان قرار التحكيم لم يبت وبشكل نهائي في النزاع المطروح بين الفريقين وإنما خلص إلى تثبيت اتفاقاً تم التوصل إليه بين الطرفين.  وإن من حق أي من الطرفين أن يلجأ إلى التحكيم مجدداً وذلك لحل النزاع القائم بين الفريقين بقرار ينهي النزاع بينهما ومما يتعين معه رفض ما أثير حول السبب المثار حول ذلك. وعلى ضوء ذلك فإن شرط التحكيم الوارد في المادة /27/ منه لم ينقض بصدور القرار التحكيمي الأول السابق الذي لم ينه النزاع طالما وقع نزاع جديد بين الفريقين))[1].

الحالة الثانية – صدور حكم تحكيمي منهي للنزاع إلا أن هذا الحكم قد أُبطل او ردت دعوى إكساءه

كما ذكرنا سابقاً أن المشرع السوري قد أغفل عند تقنينه لقانون التحكيم، إيراد إجابة عن هذه الحالة، إلا أن القضاء قد تصدى لها، واعتبر أن رد دعوى إكساء الحكم التحكيمي أو إبطاله، بمثابة نفاذ لاتفاق التحكيم وانتهائه، كون اتفاق التحكيم قد انقضى بصدور حكم التحكيم، وعليه لايجوز لطرفي التحكيم أن يعودا إلى التحكيم مجدداً في حال صدر حكم تحكيمي بذات النزاع تم إبطاله أو رد دعوى الإكساء الخاصة به.

وربما تأثر القضاء السوري بهذا الخصوص، بحالة قد نص عليها قانون التحكيم السوري بالمادة /37/ الفقرة /4/ والتي جاء فيها: ((في حال انتهاء أجل التحكيم وفق ما جاء في الفقرات السابقة، دون إصدار حكم التحكيم، كان لأي طرف من طرفي التحكيم رفع دعواه إلى المحكمة المختصة أصلاً بنظر النزاع مالم يتفقا على التحكيم مجدداً)).

ففي هذه الحالة التي نص عليها القانون صراحةً، أن هيئة التحكم لم تستطع إنجاز مهمتها بإصدار الحكم التحكيمي، خلال الآجال الممنوحة لها، ما ترتب عليه انتهاء التحكيم وانقضاء اتفاق التحكيم، ويحق لأي من طرفي النزاع التحكيمي اللجوء إلى المحكمة المختصة أصلاً بالنظر في النزاع، وقد تأيد ذلك بالعديد من القرارات الصادرة عن محكمة النقض، ومنها القرار الصادر عن غرفة المخاصمة ورد القضاة لدى محكمة النقض السورية الذي جاء فيه: ((اختصاص المحكمين يزول بانقضاء الأجل المحدد لهم باتفاق التحكيم بصورة تعود معها السلطة للقضاء صاحب الولاية العامة))[2].

ويقول القضاء السوري بهذا الخصوص، أن هيئة التحكيم إذا فشلت بإصدار حكم التحكيم ضمن المدة المحددة ينقضي اتفاق التحكيم، فمن باب أولى، أن ينقضي اتفاق التحكيم، إذا أصدرت هذه الهيئة قراراً تحكيمياً باطلاً أو غير قابل للإكساء.

فجاء في اجتهاد لمحكمة النقض السورية، أنَّ: ((البطلان ينصرف إلى الشرط التحكيمي ولا يجوز العودة ثانيةً إلى طلب العمل به، وفي هذه الحالة فمن حق الأطراف اللجوء ثانية إلى التحكيم بموجب اتفاق جديد للمتعاقدين على ذلك أو اللجوء إلى القضاء صاحب الولاية العامة))[3].

كذلك، اجتهاد محكمة النقض الذي جاء فيه: ((وحيث أنه وطالما تم البت بهذا النزاع فلم يعد للتحكيم كشرط بين الأطراف أي وجود لأنه يعتبر منفذاً أصولاً ومنتهي ولا يمكن الاعتماد على ذات الشرط التحكيمي للعودة إلى التحكيم ثانية ولذات الأطراف والنزاع إلا إذا وافق كافة الأطراف على ذلك))[4].

وكذلك، اجتهاد محكمة الاستئناف بدمشق، الذي جاء فيه: ((لما كان من الثابت قانوناً ان لجوء الطرفان إلى التحكيم تنفيذاً للمشارطة الواردة في العقد المرفق تحول دون اللجوء إليه مرة أخرى بموجب ذات المشارطة ما لم يتفق الطرفان على اللجوء إلى التحكيم بموجب مشارطة جديدة ذلك أن إعلان بطلان حكم التحكيم بموجب المشارطة الواردة في العقد المتضمن تلك المشارطة لا يبرر طلب الجهة المدعية اللجوء الى هذه المحكمة بطلب تسمية محكمين على معارضة الجهة المدعى عليها ودفعها سقوط مشارطة التحكيم بعد اللجوء إليه وصدور حكم المحكمين وأن النزاع أصبح النظر فيه من اختصاص القضاء العادي وليس قضاء التحكيم))[5].

وكذلك، اجتهاد محكمة الاستئناف بريف دمشق، الذي جاء فيه: ((حيث إن الاجتهاد قد استقر أن فشل التحكيم بين طرفي اتفقوا لحل منازعاتهم بطريق التحكيم يجعل القضاء العادي هو المختص بالنظر بالنزاع الناشب بينهما ولا يجوز اللجوء مرة أخرى للتحكيم لفشل ذلك الطريق وهذا ما أكدته محكمة النقض لعديد من قراراتها))[6].

وكذلك، عن ذات محكمة الاستئناف بريف دمشق: ((الاجتهاد القضائي مستقر على أنه إذا أبطل حكم التحكيم فلا يعاد النزاع إلى هيئه التحكيم وإنما يعاد إلى حل النزاع إلى القضاء صاحب الولاية العامة إلا إذا تضمن شرط التحكيم نصاً على خلاف ذلك ادعاء الأطراف واتفقوا مجدداً على حل النزاع بالتحكيم))[7].

ثانياً- رأي بعض التشريعات العربية بهذا الخصوص

تدارك المشرع الإماراتي عند إصداره لقانون التحكيم الاتحادي رقم /6/ لعام 2018، أثر بطلان حكم التحكيم على اتفاق التحكيم، واعتبر أن أثر هذا البطلان نسبي على اتفاق التحكيم، فاتفاق التحكيم يبقى ساري المفعول بين أطرافه، مالم يتفق الأطراف على خلاف ذلك، أو كان البطلان ناشئاً عن بطلان اتفاق التحكيم أو عدم إمكانية تنفيذه أو انتهاء مدته.

فقد نصت الفقرة /4/ من المادة /54/ من قانون التحكيم الإماراتي رقم /6/ لعام 2018 على أنَّه: ((مالم يتفق الأطراف على خلاف ذلك، يبقى اتفاق التحكيم سارياً وفقاً لأحكام هذا القانون بعد إبطال حكم التحكيم، وذلك مالم يستند الإبطال إلى عدم وجود اتفاق التحكيم ذاته، أو سقوط مدته، أو بطلانه، أو عدم إمكانية تنفيذه)).

وعلى ذات النهج، سار المشرع الأردني، بعد قيامه بإصدار القانون /16/ لعام 2018 والذي أدخل بموجبه تعديلات على قانون التحكيم الأردني رقم /31/ لعام 2001، منها التعديل على المادة /51/ لتصبح كالتالي: ((إذا قضت محكمة التمييز بتأييد حكم التحكيم وجب عليها أن تأمر بتنفيذه، وإذا قضت بإبطاله أعلنت بطلان الحكم ولا يترتب على بطلان الحكم سقوط اتفاق التحكيم ما لم يكن الاتفاق باطلا بذاته)).

أي أن التشريعات الحديثة في الدول العربية، قد تبنت منهجاً مشابهاً للمنهج الذي اعتمدته القوانين الدولية للتحكيم، ومنها قواعد غرفة التجارة الدولية بباريس، والتي اعتمدت نهج العودة إلى ذات اتفاق التحكيم، في حال تم بطلان حكم التحكيم، مالم يكن اتفاق التحكيم ذاته باطلاً أو غير موجود.

ثالثاً- رأينا القانوني

لازال التحكيم برأينا يتنازع بين مدرستين، أما الأولى فهي مناهضة تماماً للتوسع بفكرة التحكيم، وتبحث بشكلٍ دائم عن طريقة للحد من صلاحيات التحكيم، وذلك من خلال توسيع مفهوم إبطال القرارات التحكيمية، وتوسيع مفهوم النظام العام لرد دعوى الإكساء، والتضييق بتفسير اتفاق التحكيم، واعتباره منقضياً بصدور الحكم التحكيمي سواء أتم إكساء هذا الحكم أم لم يتم، والمتابع للقضاء السوري، يرى بأن قضائنا المختص بالنظر بالدعاوى التحكيمية، هو من أنصار التضييق لفكرة التحكيم، وعدم التوسع بها، وربما كان منشأ هذا المذهب الذي أخذ به قضائنا، هو اعتبار أن التحكيم وجد كبديل عن القضاء، وهو ينازع القضاة في عملهم، ومن يعمل بمجال التحكيم يعلم علماً يقيناً أن التحكيم ليس كذلك على الإطلاق.

أما المدرسة الثانية، فهي غالباً ماتعطي فسحة كبيرة لمبدأ سلطان الإرادة، وإعمال إرادة الأطراف التي توجهت للتحكيم، وتعتبر أن التحكيم مكمل لعمل القضاء وليس منافساً له، لذلك فهي تضيق من مفهوم الإبطال، وتضيق من مفهوم النظام العام بالنسبة لإكساء الحكم التحكيمي، وتوسع مفهوم اتفاق التحكيم، لتعمل مبدأ الأصل التحكيم مالم يتفق الأطراف على خلاف ذلك، ومن هذه الدول، دولة الإمارات العربية المتحدة، التي وعلى الرغم من حداثة مؤسسة التحكيم لديها مقارنة بسورية التي كان التحكيم لديها مقنن منذ مجلة الأحكام العدلية، إلا أننا نجدها قد قفزت قفزات نوعية بمجال التحكيم، منها تأسيس محكمة التحكيم الدولية في أبو ظبي التابعة لغرفة التجارة الدولية، ومركز دبي للتحكيم التجاري الدولي، الذي بات ينظر بنزاعات قيمتها تفوق مليارات الدولارات.

وبرأينا، أن إعمال مبدأ سلطان الإرادة أفضل من إغفاله، وأن الأطراف لو ذكروا باتفاق التحكيم الخاص بهم أن كل نزاع أو خلاف ينشأ حول تفسير أو تنفيذ هذا العقد يحل عن طريق التحكيم، فهنا يجب أن يبقى التحكيم سارياً بين الأطراف ولو قررت محكمة الاكساء أو البطلان برد إكساء الحكم التحكيمي أو إبطاله، لإن المطلق يؤخذ على إطلاقه وليس العكس، أي لا يمكننا القول أن اتفاق التحكيم ينقضي مالم يتفق الأطراف على خلاف ذلك، بل يمكننا القول أن اتفاق التحكيم يبقى مستمراً مالم يتفق الأطراف على خلاف ذلك.

وأتمنى من لجنة تعديل قانون التحكيم، ذات السبغة القضائية المطلقة أن تأخذ ذلك بعين الاعتبار، وأن تراعي ما راعاه المشرع الإماراتي والأردني وغيرهم، بهذا الخصوص.

[1] – غرفة المخاصمة ورد القضاة لدى محكمة النقض السورية – القرار /51/ – الأساس /130/ – تاريخ 18/04/2017 – سجلات محكمة النقض.

[2]غرفة المخاصمة ورد القضاة لدى محكمة النقض السورية – القرار /201/ – الأساس /205/ – تاريخ 06/11/2018 – سجلات محكمة النقض.

[3] – الغرفة المدنية الأولى /أ/ لدى محكمة النقض – القرار /73/ – أساس /94/ – تاريخ 01/06/2020 – سجلات محكمة النقض.

[4]الغرفة المدنية الأولى /أ/ لدى محكمة النقض – القرار /37/ – أساس /77/ – تاريخ 13/02/2022 – سجلات محكمة النقض.

[5] – محكمة الاستئناف المدنية الأولى بدمشق – القرار /19/ – أساس /77/ – تاريخ 06/03/2019 – سجلات محكمة الاستئناف بدمشق.

[6] – محكمة الاستئناف المدنية الأولى بريف بدمشق – القرار /15/ – أساس /11/ – تاريخ 17/06/2020 – سجلات محكمة الاستئناف بريف دمشق.

[7]محكمة الاستئناف المدنية الأولى بريف بدمشق – القرار /52/ – أساس /10/ – تاريخ 23/12/2020 – سجلات محكمة الاستئناف بريف دمشق.

________________________________________

يمكنكم متابعة الوثيقة أدناه، مع الرجاء الانتظار للحظات ريثما يتم تحميلها داخل الموقع:
أثر بطلان حكم التحكيم على الشرط التحكيمي

__________________________

أحمد وليد منصور

ماجستير بالقانون من جامعة باريس الثانية

عضو لجنة التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية

عضو مركز دبي للتحكيم التجاري الدولي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: تنبيه: محتوى الموقع محمي !!