مقالات وأبحاث

تنفيذ حكم المحكمين وفق الاتفاقيات القضائية العربية

القاضي سامي كوسا - رئيس دائرة التنفيذ المدني بدمشق

مقدمة

يعتبر “تنفيذ الأحكام” هي النتيجة التي يسعى إليها المحكوم له دائماً للحصول على حقوقه التي حُكم لهُ بها، سواءً أكان الحكم قضائياً أم كان الحكم تحكيمياً.

ومن هنا يشغل التنفيذ وإجراءاته، حيزاً قانونياً كبيراً في العمل القضائي، وله شروط قانونية خاصة أهمها قابلية الحكم المراد طرحه أمام دائرة التنفيذ للتنفيذ.

ولما كان تنفيذ الأحكام الوطنية أمراً حتمياً لمجرد صدورها قابلة للتنفيذ، إلا أن الصعوبة تكمن بالأحكام التحكيمية أو القضائية الصادرة خارج سورية، سواء أكانت الدولة مصدرة هذا القرار دولة عربية أم أجنبية.

فقد نصت المادة /311/ من قانون أصول المحاكمات السوري على أن أحكام المحكمين الصادرة في بلد أجنبي يجوز الحكم بتنفيذها بعد عرضها على محكمة البداية، وذلك إذا كانت هذه الأحكام نهائية وقابلة للتنفيذ في البلد الذي صدرت فيه، وبعد التأكد من صدورها عن هيئة مختصة، وأن الخصوم قد مثلوا تمثيلاً صحيحاً، وأنها غير مخالفة للنظام العام والآداب العامة، وعدم تعارضها مع حكم سابق صادر عن المحاكم السورية.

أما إذا كانت أحكام المحكمين الصادرة عن بلد أجنبي وفقاً لأحكام القانون السوري، أو لاتفاقية ثنائية، أو إقليمية أو دولية نافذة في سورية يتم الحكم بتنفيذها بقرار من محكمة الاستئناف المدنية وفقاً للشروط المنصوص عليها في القانون أو الاتفاقية آنفة الذكر وتعامل معاملة أحكام التحكيم الوطنية ما لم يرد نص في الاتفاقية يقضي بغير ذلك.

لكن الفقرة الأخيرة من هذه المادة (ما لم يرد نص في الاتفاقية يقضي بغير ذلك) تلغي ما سبق برمته في حال ورود نص خاص باتفاقية ثنائية طرفها سورية يرسم آلية مختلفة لتنفيذ حكم المحكمين.

وعليه فإننا سوف نتحدث عن الآلية التي رسمتها الاتفاقيات القضائية الثنائية الموقعة بين سورية وكل دولة من الدول العربية المتعلقة بتنفيذ حكم المحكمين الصادر في دولة عربية لدى دولة عربية أخرى والصعوبات التي تعترض تنفيذ هذه الأحكام.

أولاً- دور الاتفاقيات العربية على تنفيذ أحكام التحكيم

عند ورود حكم محكمين صادر في إحدى الدول العربية إلى سورية لتنفيذه أو العكس يجب علينا أن نتبين طريقة تنفيذه الواردة بالاتفاقية القضائية الثنائية الموقعة بين سورية والدولة العربية التي صدر فيها الحكم.

وإهمال اتفاقية الرياض العربية العامة الموقع عليها من قبل معظم الدول العربية، لأنه من القاعد القانونية الثابتة كما هو معلوم (أن الخاص ينسخ العام)، فلا مبرر للجوء للاتفاقية العامة إلا في حال خلو النص القانوني في الاتفاقية الخاصة، هذا بالإضافة إلى أن اتفاقية الرياض الصادرة عام 1983 لم تحدد بصورة دقيقة وواضحة أي جهة قضائية عليها استقبال الحكم التحكيمي، وهل يجب تنفيذه فوراً أم يجب الاعتراف به أولاً من قبل المحكمة المختصة في البلد المراد التنفيذ فيه فالمواد /25/ وحتى /37/ من هذه الاتفاقية كانت غير واضحة وغير دقيقة أو مفصلة بشكل كافٍ.

أما بالنسبة للاتفاقيات الثنائية الموقعة بين سورية وكل دولة من الدول العربية على حدة فقد كانت أكثر وضوحاً ودقة.

فعلى سبيل المثال فإن المادتين /34 و41/ من الاتفاقية الموقعة مع دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1999 قد أشارتا إلى وجوب تنفيذ الحكم القضائي والحكم التحكيمي عن طريق وضعه مباشرة لدى دائرة التنفيذ المختصة في سورية أو الإمارات حسب الحال من دون عرضه إلى أي محكمة للاعتراف به.

وكذلك كان الوضوح سمة الاتفاقية الموقعة مع لبنان من خلال المادتين /17/ و/21/ ومع الأردن وحسب المادتين /23/ و/26/، بالإضافة إلى الاتفاقية الموقعة مع مصر ومع السعودية والكويت.

ثانياً- آلية تنفيذ أحكام التحكيم العربية وفقاً للاتفاقيات الثنائية

كنا قد أشرنا في الفقرة السابقة إلى أثر الاتفاقيات الموقعة مع الدول العربية، سواء أكانت هذه الاتفاقيات عامة أو خاصة على تنفيذ أحكام التحكيم الصادرة عن إحدى الدول العربية في سوريا.

وسنشير بهذه الفقرة إلى آلية وضع حكم التحكيم الصادر عن إحدى الدول العربية حيز التنفيذ في سورية، فعلى سبيل المثال فإن حكم المحكمين الصادر في دولة الإمارات مثلاً والمراد تنفيذه في سورية يوضع فوراً لدى إحدى دوائر التنفيذ المدني لديها ويطلب المباشرة بتنفيذه في حال أعطي الصيغة التنفيذية في البلد الصادر منه وبعد أن تتأكد دائرة التنفيذ أن الجهة المطلوب منها تنفيذ الحكم لا تجيز حل النزاع عن طريق التحكيم وأن حكم المحكمين لا يتضمن ما يخالف النظام العام أو الآداب العامة في هذا البلد وأن يكون صالحاً للتنفيذ طبقاً لقانون الدولة التي صدر فيها وأن يكون الخصوم قد أعلنوا بالحضور على الوجه الصحيح، وألا يكون الحكم صادراً تنفيذاً لشرط أو لعقد تحكيم باطل أو لم يصبح واجب التنفيذ.

بالإضافة إلى عدم وجود حكم قضائي صادر في البلد المراد التنفيذ فيه يتعلق بنفس موضوع النزاع.

ما ذكرناه عن الاتفاقية السورية الإماراتية موجود بصورة مشابهة إلى حد كبير بجميع الاتفاقيات الموقعة بين سورية وبقية الدول العربية، طبعاً كل ما سبق يتعلق بأحكام التحكيم الوطنية فقط.

ثالثاً – بعض الصعوبات التي تعترض تنفيذ حكم المحكمين الصادر عن بلد عربي

لقد ذكرنا طريقة تنفيذ أحكام المحكمين الصادرة في بلد عربي لدى بلد عربي آخر وذكرنا الشروط المتوجبة للتنفيذ، ونثير هنا التساؤل التالي:

– ما هي الصعوبات والعقبات بهذا الخصوص؟

إن أهم ما يجب التأكد منه من قبل القاضي المكلف بالتنفيذ لدى البلد العربي المراد التنفيذ فيه هو عدم وجود ملف تنفيذي يحتوي حكم المحكمين مؤسس في البلد الذي صدر فيه هذا الحكم وإلا أصبح هناك ملفان تنفيذيان لحكم واحد أحدهما في الدولة التي صدر فيها الحكم والثاني في البلد المراد التنفيذ فيه، وبالتالي أصبحنا أمام واقعة تحصيل الحق موضوع الحكم مرتين وهذا بداهة غير مقبول وإلا أثرى طالب التنفيذ على حساب خصمه بلا سبب، فكما أن لكل حق دعوى واحدة تحميه كذلك لكل حكم ملف تنفيذي واحد لتحصيل الحق الثابت فيه.

فللأسف على طالب التنفيذ أن يختار بين التنفيذ في الدولة التي صدر فيها الحكم أو الدولة المراد التنفيذ فيها وهذا ما يؤثر أغلب الأحيان على تحصيل حقه كاملاً عندما لا تكون أموال خصمه في إحدى الدولتين كافية لتغطية كامل الحق.

السؤال هنا لماذا لا يفتح ملف تنفيذي في البلد الذي صدر فيه الحكم وتقوم الجهة المختصة بالتنفيذ هناك ثم عند الحاجة تسطر إنابات تنفيذية كطلب الحجز التنفيذي وبيع أموال المنفذ بمواجهته وكل ما يتعلق بتحصيل الحقوق إلى جهة تنفيذية في بلد آخر، حيث توجد أموال هذا المدين.

بكل بساطة نقول إن الاتفاقيات القضائية الثنائية العربية لم تنص على ذلك ولا اتفاقية الرياض العربية العامة فجميع هذه الاتفاقيات قد أجازت إنابات تتعلق بأمور إجرائية كسماع شاهد أو استجواب شخص أو تحليف يمين، لكنها لم تأتِ على ذلك ما يتعلق بالإنابات التنفيذية، لذلك كان لابد من اشتراط عدم وجود ملف تنفيذي في الدولة التي صدر فيها الحكم حتى تستطيع الجهة المختصة بالتنفيذ في بلد آخر من المباشرة في تحصيل الحقوق موضوع الحكم التحكيمي.

وعليه فإنني أتمنى على المسؤولين بإعداد الاتفاقيات الدولية الثنائية أم الجماعية عند عقد اتفاقيات جديدة أو تعديل القديمة أن يلحظوا ما ذكر بغية إيصال الحقوق كاملة لمن صدر الحكم التحكيمي لمصلحتهم.

رابـعـاً- القرارات الولائية والقرارات معجلة النفاذ

هذه القرارات لا تملك هيئة التحكيم اتخاذها قانوناً، لذلك يقوم أطراف الدعوى التحكيمية بطلبها من القضاء وأهم هذه القرارات لا شك هو قرار الحجز الاحتياطي وهو مهم لضمان تحصيل الحقوق في حال ثبت من خلال حكم المحكمين النهائي.

لقد منعت اتفاقية الرياض العربية العامة بموجب المادة /26/ منها تنفيذ هذه القرارات المتعلقة بالتدابير الوقتية والتحفظية، لكن الاتفاقيات العربية الثنائية الخاصة كانت منقسمة بهذا الشأن، فالاتفاقيات الموقعة بني سورية وكل من الإمارات والكويت ومصر قد نصت على جواز تنفيذ هذه القرارات الصادرة عن إحدى هذه البلدات في البلد الآخر مع الانتباه إلى أن هذه القرارات لا تتطلب أن تكون مبرمة لأنها معجلة النفاذ وتخضع إلى طرف طعن غير عادية.

بينما لم تلحظ الاتفاقيات السورية اللبنانية والسورية الأردنية هذه القرارات ولم تأتِ على ذكرها بشكل واضح وصريح.

ونحن مع أن يعتمد تنفيذ هذه القرارات وبالأخص قرار الحجز الاحتياطي الصادر في دولة لدى دولة عربية أخرى بصورة معجلة النفاذ من دون انتظار انبرامه لضمان حقوق المتقاضين لدى القضاء أو الهيئات التحكيم وحمايتها من الضياع.

خامساً- دائرة التنفيذ المختصة مكانياً

لما كان تنفيذ الأحكام في سورية يكون وفق المادة /276/ أصول محاكمات من اختصاص دائرة التنفيذ التي تقع مكانياً بنفس دائرة المحكمة التي أصدرت هذا الحكم بينما نصت المادة /3/ من قانون التحكيم رقم /4/ لعام 2008 في سورية على أنه ينعقد اختصاص النظر في مسائل التحكيم التي يشملها هذا القانون إلى محكمة الاستئناف التي يجري ضمن دائرتها التحكيم وبالتالي فإن الدائرة المختصة مكانياً لتنفيذ حكم التحكيم هي الدائرة التي تقع بنفس مكان عمل محكمة الاستئناف.

لكن ما هي دائرة التنفيذ المختصة مكانياً لتنفذ حكم المحكمين الصادر في دولة عربية موقعة على اتفاقية ثنائية مع سورية؟

يتوجب العودة هنا للاختصاص العام والأساس والذي يتمثل بموطن المدعى عليه المطلوب التنفيذ بمواجهته في حال كان له موطناً دائماً أن الاختصاص يكون لجهة التنفيذ التي تقع بمكان موطن المدعى عليه أما في حال عدم وجود موطن تكون جهة التنفيذ المختصة مكانياً هي الدائرة التي تقع بمكان أموال المذكور المراد التنفيذ عليها.

خاتمة

كنا قد أشرنا أن تنفيذ الأحكام هو الإجراء الأخير الذي يسعى له من كسب الدعوى أو الحكم التحكيمي لتحصيل حقوقه.

ولما كان الامر كذلك، فقد شغل تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية والعربية حيزاً واسعاً من الاتفاقيات الدولية الثنائية والجماعية.

وبعد عرض بعد النقاط القانونية الأكثر شيوعاً خلال تنفيذ حكم التحكيم الصادر عن دولة عربية في أراضي الجمهورية العربية السورية، نتمنى أن يتم حل بعض الإشكالات الجسيمة التي تعتري هذه الأحكام خلال تنفيذها، وتعديل الاتفاقيات بما يتناسب مع التطبيق العملي لهذه الاتفاقيات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى